غاطس - أنت - في الخطيئة حتى التلاشي ، تطارد أمنيات الفقراء ، تمتصها من العذوق ، وتبعث خيول سطوتك كأنها الغربان لتنعق فوق بيوت ضحاياك الخالية من الصهيل ، وترسل مكاتيب الموت إلى وجنات المتعبين ، وتبعث الطير الأبابيل لتحمي أفيالك المقبلة من سنين الخراب نحو المزارع ...... ثم تعاتبني لأنني نصبت (فزّاعة) فوق سطح داري كي أحمي أذني من النعيق...وتدعي بأنك إنسانْ . خائف _ أنت – ومرعوب ، يكاد الهلع أن يمحو ظلّك ، وحراسك يدورون حولك كأنهم الكلاب المسعورة ، يشهرون سلاحهم بوجه شركائهم في الطريق ، ويفزّزون هدوء البسطاء ، ويشبعون رغبتك في الخلاص من عقدة نقصك ، ويتبعونك كأنهم (ذيلك) ، ولأنهم ذيلك ، فهم حين (يرفعون) السلاح بوجه الآخرين فإنهم يكشفون عورتك ، ولكنك غير مبال بذلك ...... ثم تطاردني لأني أشهر سلاحي بوجه المجرمين ، وتدعي بأنك إنسانْ . موغل - أنت - في الجريمة حد النخاع ، وشفاهك مصبوغة بلون دم الأبرياء ، وعلى أصابعك لون قرمزي من بقايا النجيع ، وعيونك جاحظة تطير نظرات حقدها كالشرر ، تداعب سكينك التي يسعدك شحذها بعظام الأطفال ، تضحك ساخراً من امرأة تتوسل إليك أن تقتلها وتبقي على حياة ولدها ...... ثم تحاسبني لأنني دست سهواً على قدم أحد المارة ، وتدعي بأنك إنسانْ . متأرجح - أنت - كالسكران بين السماء والأرض ، تيمم وجهك شطر الله تارة ، وتيممه شطر أعداء الله تارة أخرى ، تسرق خبز الفقراء وتهديه على دكة المعبد ، ترتسم على وجهك خديعة من خشوع ، وتلتفت إلى أبناء جلدتك بملامح تشبه ملامح السيـّاف ، تطيل السجود في محراب صلاتك لتأخذ متسعاً لحساب حصتك من بطاقة تموين الفقراء ، حائر بين دين الله ودنياه ...... ثم تستنكر عليّ أنني اتخذت من أحدهما مكاني ، وتدعي بأنك إنسانْ . هائج - أنت - كالذئب تنهش لحوم الضباء تحت سماء الله ، وتتاجر بالخراف ، تبتزها صغارها ، وتجز صوفها قبل المواسم ، لتنسج منه كنـزة تخفي تحتها ذئابك لتنسل بين القطعان ، وتطفئ عيون القمر لتختفي بلثامك في ليل السرقات ، وتشاطر الثعالب احتفائها بالفرائس ، وتطارد بعينيك خطوات الرعاع لتقتنص لحظة انشغالهم عن القطيع ...... ثم تلومني أنني أمسد على ظهر ضبي هارب منك ، وتدعي بأنك إنسان ْ. واقف - أنت - تحت مظلة الليل لتقطع الطريق على الحفاة وتبتز وجودهم ، تتناغم مع بساطيل أسيادك المعفرة بالدموع والتراب ، وتلف عمامتك المتسخة على شعر ذلتك المتهدل على جبينك الأصفر ، وتركع في محاريبهم التي تعج منها رائحة نخب الانتصار على الفضيلة ، تحمل الأباريق لتملأ كؤوس ثرائهم المتراقص على عوز البائسين ، وجوع اليائسين ، تنتظر منهم أن ينهشوا لك نهشة من لحوم أخوتك المسلوقة بماء الأنين ، ويدفعوها لك تحت صخب نشوتهم الكافرة ...... ثم تحاسبني أنني أبحث عن رغيفي بقرب (تنـّور) أمي ، وتدعي بأنك إنسانْ . تحمل - أنت - مشعلاً ، لا لتنير في العتمة ، ولكن لتحرق السنابل ، وتبدر إلى البنادر لتحرقها بعد الحصاد ، تنشر جنودك كقطعان ذئاب على أبواب طرقات الله ، تمنحهم تأشيرة الدخول إلى جيوب المهاجرين ، وتخلع عليهم لباساً كلون جلد الأفاعي ، وتصم أذنيك عن عوائهم الذي يقلق نوم المتعبين ، تمنحهم صكوك غفرانك كلما أوغلوا في دنيا الجرائم ، وتبتسم بوجوههم كلما استهتروا بكرامة إنسان ، تحمل معولك لتجتث أشجار الربيع ...... ثم تحاربني لأني أستظل تحت الشجرة كي أستريح ، وتدعي بأنك إنسانْ . تصول - أنت - بسيف قسوتك على أطفال الأمل لتقتلهم ، تحرك ربطة عنقك الأنيقة ، وتتراقص على صراخ محنتهم ، وتتوسل آلة أعداء الله كي تعزز رغبتك في استئصال شأفة الأمهات ، تحلم بعقر أرحام الثكالى ، كي لا يلدن المزيد ، وتحلم بصمت البيوت كي لا يوقظك أنين الجياع ، وتستهتر بدمعة يتيم ، ولا تبالي بدعاء ثاكل ، ولا يعنيك قنوت الكهول قبل مغيب الشمس ، يستأذنون الله أن ينزل عليك اللعنة ، ويطبق عليك الموج كما فعل بفرعون ، وأنت جاثم على غصن متاهتك ، تلعن الفقراء ، وتشتم المساكين ، وتدوس أبناء الحاجة اللاهثين وراء الخبز بأقدامك الموغلة بالعمالة ، يطربك أنين أوجاعهم ، ويسعدك صوت استغاثاتهم ...... ثم تتهمني لأنني أبكي عليهم ، وتدعي بأنك إنسانْ . تلوّثُ - أنت - مياه الأرض بجيفتك ...... ثم تعاقبني لأنني غسلت وجهي بماء النهر ، وتدعي بأنك إنسانْ . تبتزُ - أنت - مزارع الفلاحين ...... ثم تحاكمني لأنني أريد أن أزرع نخلة ، وتدعي بأنك إنسانْ . تطاردُ - أنت - وجه الصبح لتعتقله ...... ثم تشتمني لأنني أصنعُ شمساً ، وتدعي بأنك إنسانْ . تأكلُ - أنت - من مؤونة بيوت المتعبين ...... ثم تحسدني لأنني آكل من بَقَلِ الأرض ، وتدعي بأنك إنسانْ . مقشعرٌ جلدك من لسعة البرد في صيف الوطن المتمرد ، تُناغمك نسائم هواء آلهة التكييف وتناغمها ، غير آبه للعرق المتصبب من جبين القابعين في أكواخ الطين وخيام المهجرين ، وغير مبال بأطفال الوطن الذين تسحنهم حرارة ساعات الليل الموشكة على الاحتراق ، تبخل عليهم بالماء ، والكهرباء ، والدواء ، والهواء ، وتسرق أحلامهم كي ترصها أرصدة في جيوب بنوك فرارك القريب جداً ...... ثم تعتقلني لأنني سألت الله :- متى الخلاص ، وتدعي بأنك إنسانْ . فَرِحٌ – أنت – برُزَمِ المال التي تداعب شهوتك كلما طلع الهلال ، لا تعرف أنك تجني ثمن جنازة كرامتك ، وتقبض ديـّة ضميرك ، وتنفق من رصيد انتمائك للأرض ، غير آبه لجيرانك الذين يوشك الجوع أن يستفز عذراواتهم للبغاء ، ويوشك أن ينخر عفتهم كالجرذان ، ويكاد أن ينسل إلى غرفهم كالوباء ...... ثم تكرهني لأنني أذكرك بمحنتهم ، وتدعي بأنك إنسانْ . خائن – أنت – لأصوات الفقراء ، سارق – أنت – لأحلامهم ، مستهتر – أنت – بأمنياتهم ، تخدعهم بوعود - أنت نفسك - لا تصدقها ، وتمنيهم بزقاق من العسل والخبز الأبيض والقصور ، وتهدهد جوعهم بأصابع الخديعة ، وحين ينامون من تعب الأنين ، ترسل عليهم جيوش لعنتك لتنهش لحومهم ، وتفجّر أمنياتهم ، وتفخخ متبنياتهم ، وتخطف صياصيهم لتبتزهم بها ، وترسل صور جرائمك لأسيادك ، كي يخلعوا عليك ثياباً من رضاهم الهازئ بك ، ويمنحوك صك القبول ، ويعمـّدوك بتصفيق عابث ، ويحجزوا لك مقعداً في صف العمالة الأول ......ثم تدعي بأنك إنسانْ . ترى !! مَنْ خَدَعَكَ ..وأقنعكَ بأنـَّكَ إنسانْ ؟ 
أضف تعليقا
من المغرب

اخي كاظم
كيف الحال؟عساك بخير
غبت قليلا بسبب الاجازة لكني وجدتك غبت
اكثر
نص رائع فعلا والاهم انه واقع معاش
دمت بسلام
من فلسطين

اخي كاظم عندما قرأت العنوان قلت في نفسي يا ليتني طيرا اطير واحلق عاليا او لو انني سمكه اسبح في اعماق البحار
ولكنني وجدت نفسي خلقت انسانه
في عالم غريب وموحش وكلماتك هذه جعلتني اقف صامته مدركه ما هو واقعنا المرير
تحياتي لك
ام ياسمين
شكرا لكلماتك ولانك اتحت لنا الفرصة لنتعرف على هذا الموضوع
...
شكسبير
من مصر

كلمات الشاعر موجعة وابكت قلوبنا
وأختيارك لها دليل على شحصية قوية وثقافة عالية وحب كبير للوطن
سلم من كتب ومن نقل عنة
من فلسطين

مقال رائع فعلا
اختيار أكثر من موفق
مع تمنياتي بمزيد من التوفيق
شوووووووووق
من الجزائر

صبــــــــتاحك سكر
العزيز كــــــــاظم مقـــــــالك
اليوم من أرقي وأعمق المقـــــــالات
التي قرأتهـــــــا
أشكرك لأنك أتحت لنــــــا
الإستمتــــاع بهذا النص المعبر
والعميــــق
ترى !! مَنْ خَدَعَكَ ..وأقنعكَ بأنـَّكَ إنسانْ ؟
كم هي رائعة هذه الجملة
تأملتهــــــــا مرارا وتكرارا ولا
أزـــــــال
عبقري جيران مشكور علي حسن
الإنتقـــــــاءو هــــا أنت فتحت
شهيتي لأبحث عن
مقــــــالات الكاتب الرائع راسم
المرواني
حين يستبدون حتى بالانسانية
ويستولون عليها
ويجعلونها حكرا عليهم فقط
تصبح مجرد حلم
كلمات عميقة مؤثرة
تخاطب جوانب كثيرة في حياتنا
اختيار رائع وموفق
احترامي وتقديري
من البحرين

رائع يا كاظم
إختيار فلسفي عميق
سهل العبارة
وعميق المعنى
تحياتي
شيماء
من سوريا

اخ كاظم
فعلا نص جميل ومعبر..ومحزن ٌ للغاية
هنا
الاخ الغالي كاظم
اقف اجلالا واحتراما
لهذا العربي الاصيل
لا كلام بعد الذي قيل
رغم انه اثار في دواخلنا الكثير
من الاسئله
تكلمت مع الاخت ياسمين
وقلت مقال يصلح ان يكون معلقه
تشكر خي من القلب
على هذا النقل
..........
من ألمانيا

ترى !! مَنْ خَدَعَكَ ..وأقنعكَ بأنـَّكَ إنسانْ ؟
كاظم العزيز
كلماتك موجعه ح ـــد الفقد
حقيقيةً من هم الذي أقنعونا أننا لا زلنا بشر ...!!؟
منذ يومين وأنا أحاول الدخول لعالمك لكن للأسف لا أستطيع
ودي و ورودي
من فلسطين

اخي كاظم ، متأسف على التأخير عن هالمقال الجميل ، والذنب ذنب نبض جيران فأنا عادة لا ادخل المدونات واكتفى بما يظهر بنبض جيران ، واليوم اكتشفت انه نبض جيران مخادع لا يظهر كل مواضيع الاصدقاء ويسبب لي الاحراج معهم ، وجعت راسك بمشكلتي مع نبض جيران اتحملني ....
نص قمة بالروعة ونسألأ الله عز وجل ان يحرر العراق الحبيب ، عراق العروبة من امثال اولئك ، وأن يعود العراق لمكانته التي كان عليها ..
ابو وديع
من فلسطين

كم كانت كلماتك مؤثره...معبره...صادقه...
تصف الواقع المعاش بصدق واحساس...
منتظرين روائعك...
لك مني كل التقدير...
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية






























من مصر
أخى العزيز كاظم
كلمات مؤثرة وتصف الواقع فعلا
واقع كل حق مغتصب ومن يدعى بأنة انسان ولكنة حقيقة نزل الى مرتبة هى ادنى من الحيوان
يبيح لنفسة كل شيىء ويجعل ممن يدافع عن حقة
مغتصب للحقوق
سلمت يداك على هذا المقال
انا مبسوطة انى اول المعلقين
دمت بكل سعادة